قالَ الْمُحَدِّثُ العَلامَةُ الشَّيخُ عبدُ اللهِ الهرريُّ رضي الله عنهُ :
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِين، وعَلَى ءالِهِ الطَّيبينَ الطَّاهِرِين.
أَمَّا بَعْدُ هَذَا الْمَذْهَبُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ عَقيدَةُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ تَبِعَهُم مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالسَّلاطِين إِلاّ مَنْ شَذَّ، وَمِنْهُمْ السُّلْطَانُ صَلاحُ الدِّينِ الأَيُّوبِيُّ، كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ في العَقِيدَةِ والأَحْكَام، كَانَ أَشْعَرِيًّا في الاعْتِقادِ، شَافِعِيًّا في الفِقْهِ، جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ والسَّلْطَنَةِ، مَا كَانَ سُلْطَانًا بِلا عِلْمٍ، بَلْ كَانَ عَالِمًا، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا كَانَ عَالِمًا، حَفِظَ القُرْءانَ، وَكِتَابَ التَّنْبِيهَ في الفِقْهِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَكِتابَ الْحَمَاسَةِ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجَالِسَ عِلْمِ الْحَدِيثِ عَلَى شُيوخِ الْحَدِيثِ، عَلَى عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ يُقَيَّدُ اسْمُهُ مَعَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ في سَمَاعِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَانَ مُجاهِدًا غَازِيًا مَنْصُورًا، لأَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، بِحُكْمِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، شَرْعِ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَرَحِمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَة قَرَّرَ تَدْرِيسَ هَذَا الكِتَابِ، في العَقِيدَةِ، في التَّوحِيدِ، الكِتَابُ ألَّفَهُ عَالِمًا ثُمَّ قَدَّمَهُ لِلسُّلْطانِ، فَأُعْجِبَ السُّلْطَانَ بِهِ وَقَرَّرَهُ التَّدْرِيسِ في الْمَدَارِسِ لِلْكِبارِ والصِّغارِ، وَفي أَوَّلِهِ ذَكَرَ هَذَا الْمُؤَلِّفُ مَدْحَ السُّلطانِ رَضيَ اللهُ عَنْهُمَا، بِهَذِهِ الأَبْياتِ، يَقُولُ هَذا الْمُؤَلِّفُ:
جَمَعْتُهَـا لِلْمَـلِـكِ الأَمِـيـنِ**النَّاصِرِ الغَازِي صَلاحِ الدِّيِنِ
عَزِيزِ مِصْرَ قَيْصَرِ الشَّامِ وَمَن**مَلَّكَـهُ اللهُ الْحِجَـازَ والْيَمَـنْ
لِلْفَضْلِ وَالْجُودِ مَعًـا والبَـأْسِ**مُحْي دَوْلَـةِ العَبَّـاسِ
هَذَا مَدْحٌ لِلْسُّلْطَانِ مِنْ هَذَا الْمُؤَلِّفِ الَّذي أَلَّفَ هَذَا الكِتَابَ، كَاَن السُّلْطَانُ صَلاحُ الدِّينِ وَالِيًا تَحْتَ الْخَلِيفَةِ عَلَى هَذِهِ البُلْدَانِ، مِصْرَ وَبَرِّ الشَّامِ: سُورِيّا والأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِين وَلُبْنان، وَكَانَ واليًا عَلَى اليَمَنِ كُلِّهُ، بِمَا فِيهِ مِنْ أبي ظَبِيِّ وَقَطَر والبَحْرَيْن وَعُمَان، ثُمَّ الْحِجَاز كُلِّهِ: مَكَّةَ والْمَدِينَةَ والرِّياض وَتِلْكَ النَّواحي، كُلُّ هَذِهِ البِلادِ كانَتْ تَحْتَ سَلْطَنَتِهِ، عَاشَ نَحْوَ عِشرينَ سَنَةً في مِصْر، وَعَاشَ نَحْوَ تِسْعَةَ عَشَرَ في بَرِّ الشَّامِ، ثُمَّ تُوُفي بِدِمَشْق، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَرِحِمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِبَغْدَادَ، الْخَلِيفَةُ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيِّدِنا العَبَّاس عَمَّ رَسُولِ اللهِ، يُقَالُ لَهُمْ العَبَّاسِيُّونَ.
فَعَلَيْكُمْ بِأَنْ تَهْتَمُّوا بِأَنْ تَنْشَأَ أَبْناءَكُمْ وَبَنَاتَكُمْ عَلَى هَذِهِ العَقِيدَةِ، بِتَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا، في هَذَا الوَقْتِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ الضَّالُّونَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلى خِلافِ عَقِيدَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، يُضِلُّونَ النَّاسَ بِاسْمِ الدَّعْوَةِ إِلى الإسْلامِ.
الآنَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِعَقيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ تَبِعَهُمْ كَثِيرٌٌ مِنَ الشَّباب، فَصَارَ الابْنُ يُكَفِّرُ أباهُ، فَهَذَا كَثُرَ في عِدَّةٍ مِن النَّواحي، في الْمَرَّةِ السَّابِقَةِ في هَذَا الْمَكان ذَكَرْتُ أَنَّهُ حَصَلَتْ في الْحَبَشَةِ، شَابٌّ دَرَسَ خَمْسَةَ سَنَوات ثُمَّ رَجَعَ إِلى بَلَدِهِ الْحَبَشَة، فَصَارَ يَقُولُ لأَهْلِ البَلَدِ: "أَنْتُمْ كُفَّارٌ، تَقُولُون يَا مُحَمَّدُ يَا عبدَ القَادِرْ، أَنْتُمْ كُفَّارٌ، وَتَزُورُونَ قُبُورَ الْمَشَايِخِ، لِذَلِكَ أَنْتُمْ كُفَّارٌ، لَسْتُمْ مُسْلِمينَ"، أَخِيرًا قَالَ لأَبِيه: "يا أَبي أَنْتَ كَافِرٌ، تَقُولُ يا مُحَمَّد، هَذَا كُفْر"، الأَبُ ما تَحَمَّلَ، وَغَيْرُ هَذا مِنَ فََظَائِعْ تَقْشَعِرُّ مِنْها الْجُلُودُ.
فَالْخَلاصُ مِن هَذا تَعَلُّمُ عِلْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي يُعَلِّمُهَا جَمَاعَتُنَا، نَحْنُ مَا أَتَيْنا بِدِينٍ جَدِيدٍ كَهُؤُلاءِ، لَكِنَّ الَّذي لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَقِّ والبَاطِلِ قَدْ يَقُولُ إِذا سَمِعَ مِنَّا كَلامًا هُوَ حَقٌّ وَصَحيحٌ: "هَؤُلاءِ دِينُهُمْ جَديدٌ"، مِنْ جَهْلِهِ يَقولُ هذَا. نَحْنُ والْحَمْدُ للهِ عَلَى الْخَطِّ الَّذي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة وَمَنْ تَبِعَهُمْ إلى يَوْمِنَا هَذَا مِنَ عُلمَاءِ الإسْلامِ، مَا فَتَحْنا لِلنَّاسِ خَطًا جَدِيدًا، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ يَعْلَمُ.
قال العلامة البناني في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع:
قصيدة ابن مكي في العقائد، وهذه القصيدة تسمى بالصلاحية لترغيب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فيها وهي من أحسن تصانيف الأشعرية في العقائد وكان السلطان صلاح الدين المذكور يأمر بتلقينها الأولادَ في المكاتب. انتهى
الرجاء زيارة هذه الروابط لمعرفة المزيد حول القصيدة الصلاحية



