قال المؤلف رحمه الله:
ومن معاصِى البطنِ أَكْلُ الربا والمكسِ والغصبِ والسرقةِ وكلِّ مأخوذٍ بمعاملة حرمها الشرعُ.
الشرح: أن هذا الفصلَ متعلقٌ بمعاصى البطن. وهو أحد الجوارحِ السبعة التى سنتكلمُ إن شاء الله تعالى عن المعاصى المتعلقة بها، يعنى العينَ والأذنَ واليدَ والرجلَ واللسانَ والفرجَ والبطنَ. فمن معاصى البطن أن يأكل الإنسان أىَّ شىء حرم الله تعالى أكله. والأكل لا يراد به هنا مجرد الإدخال من الفم إلى البطن إنما يشمَل الانتفاع بما حرمَهُ الله تعالى. مثالُ ذلك: أكل مال الربا والسرقةِ والغصبِ (أى المال الذى يؤخذ من المسلم بالقوة بغير وجه حق) والمكسِ وما شابه ذلك. وقد جاء فى الحديث أن أول ما يُنْتِنُ من الإنسانِ بطنُهُ فى القبر. فإذا كان هذا مَئَالُ البطن، فلا ينبغى للإنسان أن يترك بطنَه يسوقُهُ إلى ما حرَّم الله. وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "كُلُّ لَحمٍ نَبَتَ من سُحتٍ فالنار أَوْلَى به"، رواه البيهقىّ، والسُحتُ الحرام. فأخذُ المال بالحرام وصرفُه فيما حرم الله من كبائر الذنوب. نسأل الله أن يحفظنا من ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: وشُرْبُ الخمرِ، وحدُّ شاربها أربعون جلدةٍ للحرّ، ونصفُها للرقيق. وللإمام الزيادةُ تعزيرًا.
الشرح: أن الذى يشربُ الخمرَ ما قلَّ منها أو ما كَثُر سَكِرَ أو لم يَسْكَر فحدُّه أن يُجْلَدَ أربعينَ جلدةً إن كان حرًا، أى يَجْلِدُهُ الخليفة أو من يقوم مقامه أربعين جلدة. وأما العبد فحدُّه على النصفِ من حدِّ الحرّ. الله خَففَ عنه. وللخليفةِ أن يزيدَ على الأربعين من بابِ التعزير، فله أن يزيد إلى الثمانين إذا رأى مصلحةً فى ذلك. ومثل هذا حصل فى زمن سيدِنا عمر. زاد شُرْبُ الخمرِ بالنسبةِ إلى العصورِ السابقةِ زيادةً كثيرة لكثرة الفتوحات ولكثرة ما دخل فى الإسلام من الناس، فزاد عمر عند ذلك الجلد فى شرب الخمر إلى الثمانين لزجرِ الناس عن ذلك.
والخمر لها تعريف ذكره سيدنا عمر رضى الله عنه فيما رواه عنه البخارى فى الصحيح قال: الخمرُ ما خَامَرَ العقل إهـ.، يعنى الشرابَ الذى يُغَيّرَ العقلَ ويُعطِى نشوةً وطرباً. فكلّ شرابٍ يُعطِى ذلك كثيرُه أو قليلُه فهو خمر محرمة. لو كان القدر الذى يُسْكِرُ منه ستة عشر رِطلاً فالقليل ملء الكف منه حرام، ولو كان المقدارُ القليل لا يُسْكِرُ عادة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أَسْكَرَ الفَرَقُ منه فَمِلءُ الكَفِّ منه حرام"، رواه أبو داود. والفَرَقُ وعاء كبير يسع ستة عشر رِطْلاً.
قال المؤلف رحمه الله: ومنها أكلُ كُلِّ مُسْكِرٍ.
الشرح: أن هذا سبق بيانُه. لكن يحسُنُ الإشارةُ هنا إلى أن ما يُخَدّرُ العقل وإن كان لا يُعطِى نشوةً وطرباً فهو حرامٌ أيضاً. فهو وإن كان لا يُسمَّى خمراً لكنه حرام.
قال المؤلف رحمه الله: وكل نَجِسٍ ومستَقْذَرٍ.
الشرح: أن أكلَ النجاسات من معاصِى البطن، كالدَّمِ أى الدم السائل المسفوح ولحمِ الخنزير والمَيتَة. وكذلك كلُّ ما هو مستقذر. فما استقذره العرب فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم واستخبثوه فلا يحلُّ أكلُه. لذلك يَحْرُمُ أكل البُزّاق وكذلك البُصَاقُ والمنىُّ والمخاطُ وإن كانت طاهرةً. و كذا يحرم أكلِ ما يَضُرُّ البَدَن كالسُّم.
قال المؤلف رحمه الله: وأكلُ مالِ اليتيمِ أو الأوقافِ على خلافِ ما شَرَطَ الواقِفُ.
الشرح: أن أكلَ مالِ اليتيم من معاصِى البطنِ. والمراد باليتيم هنا من مات أبوه وهو دونَ البلوغ. حتى إنّ اليتيم لو أعطى الفقير من مالِه بطيبِ نفسٍ منه لا يجوزُ للفقيرِ أن يأخُذَ منه، لأنَّ الله تبارك وتعالى قال: {إنَّ الذين يأكلونَ أموالَ اليتامَى ظُلماً إنما يأكلونَ فِى بطونِهِم ناراً}
. وهذا يَدُلُّ أنه ذنبٌ من الكبائر.
ومن معاصِى البطنِ أكلُ مالِ الوقف على خلافِ ما شَرَطَ الواقف. والوَقْفُ هو شىءٌ يخرجُهُ الإنسان من مُلكِه ويرصُدُه لوجهٍ مُعَـيّن فيه نفع جائز مع بقاءِ عينه أى يُنْتَفَعُ به مع بقاء عينِهِ مثل بناء مسجد. فإذا وقف بقعة أرض لتكون مسجداً معناه أخرجَ هذه الأرضَ من مِلكِهِ وجعلها مخصصةً للصلاة فيُنتَفَعُ بها فى هذا الأمر من غير أن تذهب هذه الأرض بالانتفاع بها. فلا يصح أن يَقِفَ الإنسان طعاماً أى لا يصح أن يقول وقَفْتُ هذا الطعامَ للفقراء، لأنَّ انتفاعهم به يكون بأكله فلا تبقى عينُه، فمثل هذا لا يسمى وقفاً. أمّا لو وُقِفَت أرضٌ لدفن موتى المسلمين، فإن هذه المنفعة تتحصل مع بقاء الأرض فيكون ذلك وقفًا صحيحًا. فإذا شرط الواقف مثلاً أن يكون البناء الذى وقفه مسجداً فلا يجوز بعد ذلك لإنسان أن يُلغِىَ الانتفاع به كمسجدٍ ليحوله داراً لسكنى الفقراء مثلاً. وإذا وَقَفَ إنسانٌ داراً لتكونَ مدرسةً للحنفية لا يجوزُ لإنسانٍ أن يحوِلَهَا مدرسةً للشافعية. ولو وقفَ شخصٌ بستاناً ليعودَ رَيْعُهُ على ذريتِه لا يجوز لهؤلاء الذرية أن يتفقوا فيبيعوه ويتقاسموا المال فيما بينهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمونَ عندَ شروطِهِم". يعنى أن الشروطَ المعتبرة شرعاً لا بد من مراعاتها. والحديث رواه البيهقىّ.
قال المؤلف رحمه الله: والمأخوذِ بوجهِ الاستحياءِ بغَيرِ طِيبِ نفسٍ منه.
الشرح: أنه لو أحرج إنسانٌ إنساناً ءاخر فى موقفٍ مُعَـيّن حتى أعطاه مالاً بغير طيب نفسٍ منه، إنما حياءً، وهو يعرف أنه أعطاه المال حياءً فإنه لا يحل للآخذ أن يأكل هذا المال بل ما زال هذا المالُ فى مِلك الأول، لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "لاَ يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مسلمٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه" رواه الدارقطنىُّ والبيهقىّ.
قال المؤلف رحمه الله:
ومن معاصى العين النظرُ إلى النساءِ الأجنبياتِ بشهوة إلى الوجه والكفين، وإلى غيرهما مطلقاً، وكذا نظرُهُنّ إليهم.
الشرح: أن من معاصِى العينِ أن ينظرَ الرجلُ إلى أى جزءٍ من بدن المرأةِ الأجنبيةِ بشهوةٍ، وكذا بدون شهوة إلا الوجهَ والكفين. والمراد بالأجنبية هنا غيرُ المحرم، يعنى غيرَ النساء اللواتى لا يجوز له الزِواج منهن بأية حال، كأمه وأخته وعمتِه وخالتِه وأمِه من الرَّضَاع وجَدَّتِه من الرَّضاع وأُختِهِ من الرَّضاع وبنتِ أختِهِ من الرَّضاع ونحوهن. وأما الوجهُ والكفّانِ فيجوز له أن ينظرَ إليهما إن كان نظرُهُ بغيرِ شهوةٍ. وأما مع الشهوةِ فحرام، إلا بالنسبةِ للزوجةِ ونحوِها أى أَمَتِهِ غير المتزوجة. ويفهم من هذا أن وجه المرأة ليس عورةً، وهذا إجماع. فلا عبرةَ بقولِ بعض المتأخرين الذين زعموا أن وجه المرأة عورة فإنّ قولَهم مخالف للإجماع. وقد نقل هذا الإجماعَ أكثرُ من واحدٍ من العلماء منهم القاضى عياضٌ المالكىُّ وابنُ حجر الهيتَمِىُّ الشافعىُّ وغيرُهُمَا.
ويحرُمُ على المرأةِ النظرُ إلى ما بين السرةِ والركبةِ من الرَّجُلِ، سواءٌ كان ذلك بشهوةٍ أم بغير شهوة. وأما سائرُ بدَنِهِ فيجوزُ لها ذلك إن لم يكن بشهوة. وما قالَه بعضُ الشافعيةِ من أنها لا تنظرُ منه إلا ما ينظرُ منها فهو قول غير معتمد.
قال المؤلف رحمه الله: ونظرُ العوراتِ.
الشرح: أنه سبق بيان قسم من الأحكام المتعلقة بهذا الأمر. وبقِىَ أن نذكر أنه يحرُمُ على الرجل أن ينظرَ أيضاً إلى ما بين السرةِ والركبةِ من رجل ءاخر. والمرأةُ مع المرأةِ كذلك. وأما أمام الكافرةِ فلا تكشِفُ المسلمةُ إلا ما يظهرُ منها عادة عند العمل فى البيت، أى كالشعر والساعد والقدم والرقبة ونحو ذلك. فليس معنى ذلك أن تكشِفَ فَخِذَهَا أمامَها ولو كانت عادتها هى أن تلبَس سراويل قصيرة عند العمل فى البيت، بل ليس للمرأة أن تكشِفَ فخذها حتى أمام أُمّـِهَا وأُختِهَا ونحوهما.
قال المؤلف رحمه الله: ويحرُمُ على الرجُلِ والمرأةِ كشفُ السوأَتَينِ فى الخَلوةِ لغيرِ حاجَةٍ.
الشرح: أنه لا يجوز للشخص أن يكشِفَ سوأَتَيهِ إذا كان خالياً من غير حاجة. فإذا كان وحدَه فى البيت ليس معه أَىُّ إنسان ءاخر لا يجوز له أن يكشف سوأتيه إلا لحاجة، ولو لم يكن يراه أحدٌ ءاخر. ومقتضى ذلك أنه يجوز له أن يكشِفَهُمَا فى الخلوة للحاجة كأن يريد التبرد أو تغيير الثياب أو الاغتسال أو ما شابه.
قال المؤلف رحمه الله: وَحَلَّ مع المَحْرَمِيَّةِ أو الجنسيَّةِ نظرُ ما عدا ما بينَ السرةِ والركبةِ إذا كان بغيرِ شهوة.
الشرح: أن هذا سبق بيانُه أنه يجوزُ للرجل أن ينظرَ إلى بدن الرجل الآخر إلاّ ما بين سرته وركبته، وأنه يجوزُ للمرأةِ المسلمة أن تنظُرَ إلى بدن المرأة إلا ما بين سرتها وركبتها. ولكن نزيدُ أنه يجوز للرجل أن ينظرَ إلى بدنِ مَحْرَمِهِ أيضاً وللمرأة أن تنظرَ إلى بدن محرمهَا أى الرجل إلا ما بين السرة والركبة منهما إن كان بغير شهوة، وأما بشهوة فلا يحل. ومقتضى قولنا "ما بين السرة والركبة" أَنَّ نفس السرة ونفس الركبة ليسا عورة، إنما العورةُ ما بينهما. لكن لا بد من ستر شىءٍ منهما على الأقل حتى يُتَيَقَّنَ مِنْ سَتْرِ ما بينهما.
قال المؤلف رحمه الله: ويحرمُ النظرُ بالاستحقارِ إلى المسلمِ.
الشرح: أن هذا سبق بيانه فى معاصى القلب لما تكلمنا عن الكِبْرِ. لكن أُعِيدَ هنا لبيان أن له علاقةً بالعين أيضاً.
قال المؤلف رحمه الله: والنظرُ فى بيتِ الغيرِ بغيرِ إذنهِ، أو شىءٍ أخفاهُ كذلك.
الشرح: أن من معاصى العين أن ينظر الإنسانُ إلى داخل بيتِ الغير بغير إذنه مما يتأذى ذلك الغيرُ عادةً لو نظرَ الإنسانُ إليه. وذلك كأن يكونَ صاحبُ الدارِ مكشوفَ العورة أو أن يكونَ أحدُ أهلِهِ مكشوفَ العورَةِ. وكذلك لو أخفَى إنسان شيئاً يتأذّى باطّلاع غيره عليه، حرامٌ على ذلك الغير أن يَطَّلعَ عليه بغير إذنه.
سورة النساء، ءاية 11.