الفصل الخامس : الرهن
- وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ فِي الديُونِ إِذَا اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ.
الرهن في اللغة: الثبوت، وقيل: الاحتباس، ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. وفي الشرع: جعل عين مالية وثيقة بدين يُستوفى منها عند تعذّر الوفاء. والأصل فيه الكتاب والسنَّة، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. وفي السنَّة ما رواه الشيخان أنه عليه الصّلاة والسّلام "رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى شَعِيرٍ لأَهْلِهِ". ثم المقصود من الرهن بيع العين المرهونة عند الاستحقاق واستيفاء الحق منها، ولهذا قال الشيخ (وكل ما جاز بيعه جاز رهنه) ومقتضاه أنه لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه، وذلك كرهن الموقوف وما أشبه ذلك.
ثم شرط المرهون: كونه عينًا على الراجح، فلا يصح رهن الدين لأن شرط المرهون أن يكون مما يقبض، والدين لا يمكن قبضه، وإذا قبضه خرج عن كونه دينًا، ويشترط في المرهون به أن يكون دينًا لازما.
واحترز بالدين عن العين، فلا يصح الرهن على العين كالعين المغصوبة والمستعارة وجميع الأعيان المضمونة (إِذا استقرّ ثبوتها) يقتضي أن الدين قبل استقراره لا يصح الرهن به وإن كان لازمًا وليس كذلك فإنه يصح الرهن بالدين اللازم وإن لم يستقر، وكذلك يصح بما يؤول إلى اللزوم كالثمن في زمن الخيار. ويشترط في الدين أن يكون معلومًا لهما، والله أعلم.
- وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ.
قبض المرهون أحد أركان عقد الرهن في لزومه فلا يلزم إلا بقبضه. قال الله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وصفه بالقبض فكان شرطًا فيه كوصفه الرقبة بالإيمان والشهادة بالعدالة. فلو رهن ولم يقبض فله فسخ ذلك، لأنه قبل الإقباض عقد جائز من جهة الراهن فله الرجوع فيه كزمن الخيار في البيع. فإذا قبضه لزم وليس له حينئذ الرجوع للزوم العقد، ثم الرجوع قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل، فإذا تصرف الراهن في المرهون بما يزيل الملك بطل الرهن كالبيع والإعتاق وجعله صداقًا أو أجرة، أو رهنه عند ءاخر وأقبضه، أو وهبه وأقبضه فكل ذلك رجوع. وقول (وللراهن الرجوع فيه) يعني في المرهون، ويجوز رجوعه إلى عقد الرهن. وقوله (ما لم يقبضه) راجع إلى المرهون ليس إلا للاستقرار.
- وَلا يَضْمنُهُ الْمُرتَهنُ إِلا بِالتَّعَدِّي.
المرهون أمانة في يد المرتهن لأنه قبضه بإذن الراهن، فكان كالعين المستأجرة فلا يضمنه إلا بالتعدّي كسائر الأمانات. فلو تلف المرهون بغير تعدّ لم يضمنه ولم يسقط من الدين شيء لأنه وثيقة في دين فلا يسقط الدين بتلفه.
واعلم أن المرهون بعد زوال الراهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه إذا تلف إلا بالتعدّي. وقول الشيخ (إلا بالتعدّي) بأن يتصرّف فيه تصرّفًا هو ممنوع منه، وأنواع التعدّي كثيرة وهي مذكورة في الوديعة، ومن جملتها الانتفاع بالمرهون بأن كانت دابة فركبها أو حمل عليها أو ءانية فاستعملها ونحو ذلك.
- وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الْحَقِّ لَمْ يَخْرُجْ شيء مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَهُ.
جميع العين المرهونة وثيقة بكل الدين وبكل جزء منه فلا ينفكّ حتى يقضي جميع الدين وفاء بمقتضى الرهن كالمكاتب لا يعتق إلا بأداء جميع نجوم الكتابة.